النملة التي أنقذت مدينتها (الجزء الثاني) | رحمة سيدنا سليمان عليه السلام بالنمل
النملة التي أنقذت مدينتها (الجزء الثاني)
قصة النملة سيدنا سليمان عليه السلام
بقلم أميرة سعيد

توقف سيدنا سليمان عليه السلام) عن السير، وما زالت ابتسامته الهادئة ترتسم على وجهه.
لم يكن يبتسم سخرية، ولا تعجبًا من النملة الصغيرة، بل أعجبه حرصها على قومها، وخوفها عليهم، وحكمتها في اختيار الكلمات.
فقد قالت للنمل:
‘’ادخلوا مساكنكم، لا يحطمنكم سيدنا سليمان عليه السلام وجنوده وهم لا يشعرون."
لاحظ **سيدنا سليمان عليه السلام** أنها لم تقل إن الجيش سيؤذيهم عمدًا، بل قالت: "وهم لا يشعرون."
أي إنها كانت تعلم أن نبي الله عادل ورحيم، لكنها أرادت أن تحمي قومها من خطر قد يقع دون قصد.
وهنا تبسم (سيدنا سليمان عليه السلام)، كما أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم، ثم رفع بصره إلى السماء وقال في خشوع:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ، وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
كان يعلم أن كل ما يملكه من ملكٍ عظيم، وكل ما وهبه الله من نعم، ليس بسبب قوته وحده، بل هو فضلٌ من الله يستحق الشكر في كل لحظة.
ثم أمر جنوده أن ينتبهوا للطريق، وألا يقتربوا من مساكن النمل.
فبدأ الجيش كله يغيّر مساره قليلًا، حتى يمر بعيدًا عن المدينة الصغيرة.
يا له من مشهد مدهش!
جيش عظيم يضم الإنس والجن والطير... يغيّر طريقه من أجل مخلوقات صغيرة لا تكاد تُرى بالعين.
أما داخل مدينة النمل…
فكان الجميع يلتقط أنفاسه في خوف.
سألت نملة صغيرة أمها:
“هل وصل الجيش؟”
قالت الأم وهي تضم صغيرتها:
“لا أعلم... لكننا سنبقى هنا حتى يمر الجيش”
وكانت النملة التي أطلقت التحذير تقف عند مدخل أحد الأنفاق، تنظر بحذر إلى الخارج.

وفجأة…
لاحظت أن صوت الخطوات بدأ يبتعد.
ثم اختفى الغبار شيئًا فشيئًا.
خرجت بحذر شديد.
نظرت يمينًا…
ثم يسارًا…
ولم تجد أحدًا.
ابتسمت في راحة، ثم نادت بصوت مليء بالفرح:
“لقد مر الجيش... والجميع بخير!”
بدأت النملات تخرج واحدة تلو الأخرى.
خرج الصغار أولًا، ثم الكبار، ثم العاملات اللواتي عدن يحملن الطعام من جديد.
قالت نملة صغيرة:
“لقد نجونا!”
وردت أخرى مبتسمة:
“الحمد لله.”
ثم اقتربت إحدى النملات من صاحبة التحذير وقالت:
“لولا أنك انتبهت مبكرًا، لما عرفنا أن الجيش يقترب.”
ابتسمت النملة في تواضع وقالت:
“أنا لم أفعل إلا واجبي.”
فقالت نملة أخرى:
“لكن واجبك أنقذ المدينة كلها.”
اجتمعت النملات حولها، وأخذت تشكرها.
لكنها قالت بلطف:
“لا تشكروني وحدي، فكل واحدة منكن ساعدت الأخرى. رأيت من يحمل الصغار، ومن يرشد كبار السن، ومن ترك الطعام حتى يطمئن على جيرانه.”
هزت النملات رؤوسهن موافقات.
لقد أدركن أن التعاون هو الذي جعل الجميع ينجو.
وفي الجهة الأخرى، كان (سيدنا سليمان عليه السلام) يواصل رحلته، وهو يفكر في ذلك الموقف الجميل.
كم هي عجيبة هذه المخلوقات الصغيرة!
رغم صغر حجمها، فإنها تعمل في نظام، وتتعاون، وتحذر بعضها من الخطر، ولا يفكر أحدها في نفسه فقط.
ولذلك علمنا سيدنا سليمان عليه السلام) درسًا عظيمًا.
فالقائد الحقيقي لا يستخدم قوته لإخافة الضعفاء، بل يحميهم ويرحمهم.
كما علمتنا النملة أن الذكاء لا يقاس بالحجم، وأن الكلمة الطيبة في الوقت المناسب قد تنقذ حياة كثيرين.
ولو أن النملة خافت وسكتت…
ربما ما انتبه أحد إلى الخطر.
ولو أن النمل لم يستمع إلى التحذير…
ربما تعرض كثير منهم للأذذى.
لكن الجميع أحسن التصرف.
واحدة لاحظت الخطر.
والبقية استجابوا بسرعة.
وهكذا نجت المدينة كلها.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قصة النملة مع (سيدنا سليمان عليه السلام) تُروى جيلاً بعد جيل، لتذكرنا أن الله قد يجعل الخير على يد أصغر مخلوق، وأن الرحمة لا تكون مع البشر فقط، بل مع كل كائن حي.
وعندما ننظر إلى النمل في يومنا هذا، ونراه يسير في صفوف منتظمة، ويحمل أشياءً أكبر من حجمه، ويتعاون مع أفراد مجموعته، نتذكر أن الله خلق كل مخلوق بحكمة، وجعل لكل واحد منه دورًا يؤديه بإتقان.

وربما يظن بعض الناس أن المخلوقات الصغيرة لا قيمة لها، لكن هذه القصة تعلمنا العكس تمامًا.
فالنملة الصغيرة كانت سببًا في حماية قومها، وأصبحت قصتها مذكورة في القرآن الكريم، يقرأها ملايين المسلمين في كل أنحاء العالم.
ما أجمل أن يكون الإنسان يقظًا، يلاحظ ما حوله، ويسارع لمساعدة الآخرين.
وما أجمل أن يكون قويًا ورحيمًا في الوقت نفسه، كما كان سيدنا سليمان عليه السلام
فالرحمة لا تحتاج إلى قوة، لكنها تجعل القوة أجمل.
والآن أخبرني... لو رأيت شخصًا لا ينتبه إلى خطر قد يؤذيه، هل ستقف متفرجًا، أم ستسارع لتحذيره كما فعلت النملة الشجاعة مع قومها؟
جاهزون للقصه التالية