النملة التي أنقذت مدينتها (الجزء الأول)
قصص القرآن الكريم
قصة نملة سيدنا سليمان عليه السلام

يلا نرجع بالزمن…
في صباحٍ جميل، كانت الشمس ترسل أشعتها الدافئة على الأرض، والهواء يحمل رائحة الزهور والنباتات. وبين الأعشاب الصغيرة، كانت هناك مدينة لا يراها معظم الناس، لكنها كانت مليئة بالحياة.
إنها... مدينة النمل
قد تبدو لك مجرد حفرة صغيرة في الأرض، لكنها في الحقيقة عالمٌ كامل، فيه شوارع ضيقة، وغرف كثيرة، ومخازن للطعام، وأنفاق طويلة تصل بين كل مكان.

ومنذ شروق الشمس، كانت كل النملات تعمل بجد.
واحدة تجمع حبة قمح.
وأخرى تحمل قطعة صغيرة من ورقة خضراء.
وثالثة تنظف الممرات.
ورابعة تعتني بصغار النمل.
لم يكن أحد يجلس بلا عمل، فكل نملة تعرف مهمتها جيدًا.
وسط هذا النشاط، كانت هناك نملة صغيرة، لكنها كانت ذكية وسريعة الملاحظة.
لم تكن أكبر النملات حجمًا، لكنها كانت دائمًا تنظر حولها، وتنتبه لكل شيء يحدث.
وفي ذلك الصباح، خرجت من مدينتها لتتفقد المكان القريب، كما اعتادت كل يوم.
وقفت فوق حجر صغير، وأخذت تتأمل الأفق.
وفجأة…
شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها.
توقفت عن الحركة.
وقالت في نفسها:
“غريب... الرياح هادئة، فلماذا تهتز الأرض؟”
بعد لحظات، سمعت أصواتًا بعيدة، تزداد شيئًا فشيئًا.
رفعت رأسها أكثر، وحاولت أن ترى ما يحدث.
وفي البداية لم تستطع أن تميز شيئًا، لكن مع اقتراب الأصوات، بدأت ترى سحبًا من الغبار ترتفع في السماء.
اتسعت عيناها بدهشة.
“ما هذا؟”
ركضت قليلًا حتى وصلت إلى مكان مرتفع.
وهناك…
رأت مشهدًا لم تره من قبل.
جيشٌ عظيم يقترب.
كان طويلًا جدًا، حتى إن آخره لا يكاد يُرى.
ورأت صفوفًا من الرجال، وصفوفًا أخرى من الجن، وفوقهم طيور تحلق في السماء في نظامٍ عجيب.

كل فريق يسير في مكانه، وكأن الجميع يعرف الطريق الذي يسلكه.
تذكرت النملة ما كانت تسمعه من النملات الكبيرات.
كنّ يحكين دائمًا عن نبي كريم، أعطاه الله ملكًا عظيمًا، وسخر له الريح، وعلمه لغة الطير والحيوان.
قالت في نفسها:
“لا بد أن هذا هو جيش سيدنا سليمان عليه السلام.”
ورغم أنها كانت تعرف أن سيدنا سليمان عليه السلام نبي عادل لا يظلم أحدًا، فإنها شعرت بالقلق.
ليس لأن الجيش سيؤذيهم عمدًا…
ولكن لأن عدد الجنود كان هائلًا.
ولو استمروا في السير، فقد لا ينتبه أحد إلى مدينة النمل الصغيرة.
وحبة الرمل بالنسبة للإنسان صغيرة جدًا…
وكذلك النملة بالنسبة لذلك الجيش الكبير.
أخذ قلبها يدق بسرعة.
نظرت إلى مدينتها.
ورأت عشرات النملات ما زلن يعملن في جمع الطعام، وبعض الصغار يلعبون بالقرب من المداخل.
قالت في نفسها:
“ليس عندي وقت.”
ثم انطلقت بكل سرعتها.
كانت تركض بين الحصى الصغيرة، وتقفز فوق الأغصان اليابسة، حتى وصلت إلى مدخل المدينة.
وأخذت تنادي بأعلى صوتها:
“يا أيها النمل!”
توقفت كل النملات عن العمل.
واحدة كانت تحمل بذرة.
وأخرى كانت تدفع ورقة كبيرة.
وثالثة كانت تسقي الصغار قطرات من الماء.
الجميع التفت إليها.
قالت بسرعة:
“ادخلوا مساكنكم... بسرعة!”
تعجبت إحدى النملات وسألت:
“ماذا حدث؟”
قالت وهي تلتقط أنفاسها:
“جيش سيدنا سليمان عليه السلام يقترب من هنا.”

ساد الصمت للحظة.
ثم قالت نملة أخرى:
“لكن سيدنا سليمان عليه السلام نبي كريم، ولن يؤذينا.”
هزت النملة رأسها وقالت:
“أعرف ذلك... لكنه يقود جيشًا ضخمًا، وقد لا يرانا أحد. وإذا سار الجيش فوقنا، فقد تتحطم أجسادنا الصغيرة، وهم لا يشعرون.”
أدركت كل النملات أنها على حق.
وفجأة، تحولت المدينة الهادئة إلى خلية من الحركة.
بدأت النملات تنادي بعضها.
“أسرعوا!”
“احملوا الصغار!”
“لا تتركوا أحدًا بالخارج!”
كانت كل نملة تساعد الأخرى.
إحدى النملات حملت حبة القمح التي كانت تجمعها، ثم تذكرت أنها أثقل من أن تجري بها، فألقتها جانبًا وقالت:
“سلامة الجميع أهم.”
ونملة أخرى أمسكت بصغيرتين معًا، وأسرعت بهما إلى داخل النفق.
أما الصغار، فكانوا يجرون بسرعة، وهم ينظرون خلفهم في خوف.
وفي دقائق قليلة، بدأت المدينة تفرغ.
كل النملات دخلت إلى مساكنها.
ولم يبقَ في الخارج إلا النملة التي أطلقت التحذير.
وقفت أمام المدخل، تطمئن أن الجميع أصبح في أمان.
ثم نظرت مرة أخرى إلى الطريق.
أصبح الجيش قريبًا جدًا.
وكانت تستطيع أن ترى صفوفه المنظمة بوضوح.
وفي المقدمة…
كان سيدنا سليمان عليه السلاميسير مطمئنًا، يشكر الله على ما أنعم به عليه من ملكٍ عظيم.
وفي تلك اللحظة، وصلت كلمات النملة إلى سمع سيدنا سليمان عليه السلام
نعم…
لقد وهبه الله نعمة عظيمة، وهي أنه يفهم كلام الحيوانات والطيور.
فتبسم سيدنا سليمان عليه السلام عندما سمعها تقول:
﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
ابتسم؛ لأنه فهم أن هذه النملة لم تكن تتهمه بالظلم، بل كانت تخاف على قومها، وتعلم أنهم قد يتعرضون للأذى دون أن يشعر أحد.
وتوقف سيدنا سليمان عليه السلام لحظة…
ونظر إلى الأرض التي يقف عليها.
ترى…
ماذا سيفعل عندما يعلم أن مدينة النمل كلها تختبئ خوفًا من مرور جيشه؟
وهل سيواصل السير كما هو…
أم سيتصرف بطريقة ستجعل هذه النملة الصغيرة تتحدث عنه بكل فخر؟
هذا ما سنعرفه في الجزء الثاني من قصة "النملة التي أنقذت مدينتها".
بقلم اميرة سعيد