الهدهد الذي حمل سرًّا كبيرًا (الجزء الثاني) | رسالة غيّرت مملكة كاملة

الهدهد الذي حمل سرًّا كبيرًا (الجزء الثاني) | رسالة غيّرت مملكة كاملة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الهدهد الذي حمل سرًّا كبيرًا! (الجزء الثاني)

قصة هدهد سيدنا سليمان عليه السلام 

بقلم أميرة سعيد 

انتهى الهدهد من كلامه، وظل الجميع ينظر إلى النبي سليمان عليه السلام، منتظرين ما سيفعله.

ابتسم سليمان ابتسامة هادئة، ثم قال:

“سنرى... أصدقت أم كنت من الكاذبين.”

لم يغضب، ولم يحكم بسرعة، لأن القائد الحكيم لا يبني قراراته على الكلام فقط، بل يتأكد من الحقيقة أولًا.

ثم طلب ورقة، وكتب رسالة قصيرة، لكنها كانت رسالة عظيمة.

بدأها باسم الله، ثم كتب يدعو ملكة سبأ وقومها إلى عبادة الله وحده، وألا يتكبروا عن اتباع الحق.

بعد أن انتهى، طوى الرسالة بعناية، وسلمها إلى الهدهد.

وقال له:

“اذهب بهذه الرسالة، وألقها إليهم، ثم ابتعد قليلًا، وانظر ماذا سيفعلون.”

فرح الهدهد بالمهمة الجديدة.

هذه المرة لم يكن يبحث عن مكان جديد، بل كان يحمل رسالة خير.

فتح جناحيه وانطلق في السماء.

image about الهدهد الذي حمل سرًّا كبيرًا (الجزء الثاني) | رسالة غيّرت مملكة كاملة

كان يطير بسرعة فوق الجبال والسهول، حتى وصل إلى مملكة سبأ.

كانت الملكة تجلس في قصرها الكبير، وحولها الوزراء والحراس.

وفي لحظة هادئة، هبط الهدهد بالقرب منها، وألقى الرسالة، ثم طار إلى مكان قريب يراقب ما سيحدث، كما أمره سليمان.

image about الهدهد الذي حمل سرًّا كبيرًا (الجزء الثاني) | رسالة غيّرت مملكة كاملة

تعجبت الملكة عندما وجدت الرسالة أمامها.

أمسكتها برفق، وفتحتها.

بدأت تقرأ، ثم قالت لمن حولها:

“يا أيها الملأ، إني أُلقي إليَّ كتاب كريم.”

كان أول ما لفت انتباهها أن الرسالة بدأت بقول:

*بسم الله الرحمن الرحيم."

ثم قرأت بقية الرسالة، التي تدعوها هي وقومها إلى عبادة الله، وألا يتكبروا.

لم تمزق الرسالة، ولم تغضب.

بل جمعت كبار قومها وقالت:

“أشيروا عليَّ في أمري.”

نظر الوزراء إلى بعضهم، وقالوا بثقة:

“نحن أصحاب قوة وأصحاب حرب، والأمر إليك.”

لكن الملكة كانت حكيمة.

كانت تعرف أن الحروب لا تجلب إلا الحزن والخسائر.

فقالت:

“إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة.”

ثم فكرت قليلًا، وقالت:

“سأرسل إليه هدية، ونرى ماذا سيكون رده.”

جهزت هدية ثمينة، فيها أشياء نادرة وغالية، وأرسلتها مع رسلها إلى سليمان عليه السلام.

أما الهدهد، فكان يراقب كل ما يحدث.

ثم عاد بسرعة إلى سليمان، وأخبره بما فعلته الملكة.

وبعد أيام، وصل رسل سبأ إلى مملكة سليمان.

دخلوا وهم يحملون الهدايا الكثيرة.

لكنهم فوجئوا بشيء لم يتوقعوه.

كانت مملكة سليمان أعظم بكثير مما تخيلوا.

ورأوا من نعم الله على سليمان ما جعل هديتهم تبدو صغيرة، مهما كانت قيمتها.

نظر سليمان إلى الهدية، ثم قال:

“أتمدونن بمال؟ فما آتاني الله خير مما آتاكم.”

كان يريد أن يفهموا أنه لم يرسل الرسالة ليحصل على كنوز أو هدايا.

بل أرسلها ليدعو الناس إلى عبادة الله.

عاد الرسل إلى ملكتهم، وأخبروها بكل ما رأوه.

وقالوا لها إن سليمان ليس ملكًا عاديًّا، وإن كلامه وتصرفاته مختلفة تمامًا.

فكرت الملكة طويلًا.

ثم قررت أن تذهب بنفسها إلى سليمان، لترى الحقيقة بعينيها.

وعندما علم سليمان أنها قادمة، أراد أن يريها بعض ما أنعم الله به عليه.

فسأل من حوله:

“من يأتيني بعرشها قبل أن يصلوا؟”

وبقدرة الله، أُحضر عرشها في وقت قصير جدًا.

ثم أمر سليمان أن يُغيَّر فيه قليلًا، حتى يرى هل ستتعرف عليه أم لا.

وبعد رحلة طويلة، وصلت الملكة إلى مملكة سليمان.

رحب بها، ثم سألها:

“أهكذا عرشك؟”

نظرت الملكة إلى العرش بدهشة.

كان يشبه عرشها كثيرًا.

تأملته جيدًا، ثم قالت:

“كأنه هو.”

كانت مندهشة، لكنها لم تتسرع في الكلام.

ثم دعاها سليمان عليه السلام لتدخل مكانًا أرضه من زجاج صافٍ، وتحته يجري الماء.

فلما رأته، ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها حتى لا يبتل ثوبها.

فقال لها سليمان عليه السلام برفق:

“إنه صرح ممرد من قوارير.”

ابتسمت الملكة في دهشة.

كانت ترى أشياء لم تر مثلها من قبل، لكنها أدركت أن كل ذلك ليس بسبب قوة سليمان وحده، بل لأنه نبي أكرمه الله.

وفي تلك اللحظة، فهمت الحقيقة التي جاءتها بها الرسالة منذ البداية.

وقالت كلمات خلدها القرآن الكريم:

﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وهكذا انتهت رحلة الهدهد الصغيرة... لكنها غيّرت حياة أمة كاملة.

تخيلوا…

طائر صغير، لا يحمل سيفًا، ولا يملك جيشًا، كان سببًا في وصول رسالة الحق إلى مملكة بعيدة.

لقد علمنا الهدهد أن حجم الإنسان أو الحيوان ليس هو المهم، بل المهم أن يؤدي الأمانة بإخلاص، وأن يستخدم ما وهبه الله له في الخير.

كما تعلمنا من النبي سليمان عليه السلام أن القائد الحكيم يستمع، ويتأكد من الأخبار قبل أن يحكم، ويعامل الناس بالحكمة قبل القوة.

أما ملكة سبأ، فقد علمتنا أن الإنسان الحكيم لا يخجل من الاعتراف بالحق عندما يراه، حتى لو اضطر إلى تغيير ما كان يؤمن به من قبل.

والآن أخبرني... لو كنت مكان الهدهد، وحملك الله رسالة خير إلى الناس، هل كنت ستؤديها بكل شجاعة وأمانة، أم كنت ستخاف وتتراجع؟

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Elkateba تقييم 5 من 5.
المقالات

6

متابعهم

7

متابعهم

11

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-